آراء حرة

في ذكرى رحيل المشير حابس المجالي

                                         موسى العدوان

موسي العدوان

في مثل هذا اليوم الموافق 22 نيسان من كل عام، تطل علينا ذكرى رحيل فقيد الوطن معالي المشير حابس المجالي، رفيق الملوك الثلاثة عبد الله الأول، وطلال، والحسين، رحمهم الله جميعا. ذلك المقاتل الذي كان مع رفاقه مشاريع شهادة في حرب 1948. فقدموا أرواحهم دفاعا عن المسجد الأقصى وما حوله من الأراضي التي بارك الله بها. كانت معاركهم مع اليهود حاسمة على جبال اللطرون وباب الواد وغيرها من المواقع، حيث كبدوه خسائر بالغة بالأرواح والمعدات.

حابس ( 1910– 2001 ) . . ذلك الرمز الوطني الذي يحظى باحترام كافة الأردنيين والفلسطينيين حيا وميتا، خير ما نحيي به ذكراه هو أن نقدم للجيل الذي لم يعش زمانه، نبذة عن مواقفه البطولية التي كان لها دور كبير في الحفاظ على الضفة الغربية في حينه، والتي أضاعها اليوم من يسمون أنفسهم زورا بالقيادات الوطنية. لقد كان حابس رجلا شجاعا ونموذجا للرجولة والتضحية والإخلاص للوطن، أثبتها فعليا في الحروب التي مرت بالأردن وفلسطين في الأعوام ،1967 1948، 1967وأحداث عامي 1956 و 1970، وفي غيرها من الأحداث العسيرة التي مر بها الأردن، مساهما  بسلامته واستقراره.

حابس الذي نذر نفسه للجندية، كان أول ضابط أردني يتولى قيادة كتيبة في الجيش العربي الأردني. وهو من واجه القوات اليهودية في ساحات القتال في فلسطين، وردهم على أعقابهم خاسرين في العديد من المعارك، التي جرت في اللطرون وباب الواد. تلك المعارك التي شهد العدو قبل الصديق ببسالة قادتها وشجاعة جنودها في الدفاع عن الأرض المقدسة، وسأورد تاليا معلومات موجزة عن معركة اللطرون الخالدة.

 في الساعة الثالثة والنصف من صباح يوم 25 أيار هاجمت قوات البلماخ اليهودية ( 6500 جندي وضابط ) مواقع الكتيبة الرابعة ( 1200 جندي وضابط ) التي يقودها حابس المجالي في اللطرون. وتمكنت القوات المهاجمة من الوصول إلى مسافة 100 ياردة عن الخطوط الأمامية للكتيبة. ولكن بتصميم وشجاعة رجال الكتيبة الرابعة جرى صُدّ ذلك الهجوم وأجبر العدو على التراجع . وفي الساعة العاشرة من صباح ذلك اليوم، كرر العدو هجومه  واستمر القتال خلالها لمدة 15 ساعة متواصلة، أدى إلى تراجع العدو أمام شدة المقاومة، بعد أن خسر 800  قتيل عدا عن الجرحى وأسر عدد كبير من بينهم شارون.

لم يرضخ العدو لهذا الفشل والإخفاق الذي جرى في الهجومين، لأن بن غوريون الذي كان يوجه العمليات العسكرية، يعتقد أن مصير الحرب كان متوقفا على نتيجة القتال بين الجيش الإسرائيلي والجيش الأردني، إذ قال : ” إما أن يخترق الجيش العربي مثلثنا، أو نقوم نحن باختراق مواقعه. فإن نجحنا نكون قد أوشكنا أن نكسب الحرب. الجبهة الرئيسية هي المنطقة التي يتمركز فيها الجيش العربي : القدس وجبال القدس، وليس النقب أو الجليل. إنني احترم الجيش العربي إلى أقصى حد “.

وفي 28 أيار شكل بن غوريون أكبر قوة يهودية يقودها العقيد الأمريكي دافيد ماركوس، وهي مؤلفة من ثلاثة ألوية، وأمره بالاستيلاء على اللطرون وباب الواد وفتح الطريق إلى القدس. ولكن هذه القوة واجهت مقاومة عنيفة عند هجومها على مواقع الكتيبتين الثانية والرابعة، مما أدى إلى فشل الهجوم ووقوع خسائر كبيرة بها.

بتاريخ  1 حزيران قام الملك عبد الله الأول بزيارة تفقدية لموقع المعركة، واستمع إلى شرح لتفاصيلها، ثم التفت إلى المقدم حابس المجالي قائد الكتيبة الرابعة قائلا : ” إنك وجنودك تدافعون عن أرض سبقكم للدفاع عنها قادة عظام، من أمثال عمرو بن العاص وصلاح الدين. ومن سماك حابس ما أخطأ، لأنك حبست العدو وحلْتَ دون تقدمه. إن كتيبتك الرابعة هي الكتيبة الرابحة بإذن الله “.

في ليلة 8 / 9 حزيران زحفت قوات العدو تحت ستر الظلام، وتمكنت بعد قتال عنيف من الوصول إلى مسافة 70 ياردة عن مركز قيادة الكتيبة الرابعة. فأمر قائد الكتيبة حابس بتجميع آخر قوة متوفرة لديه، للقيام بهجوم معاكس على العدو وطرده من الموقع الذي وصل إليه. والموقع عبارة عن مرتفع إذا استطاع العدو أن يحتله على قمة الجبل وعلى موقع معاذ بن جبل، فإن مواقع الكتيبة تصبح تحت سيطرته وتحت تأثير نيران أسلحته، وسيكون الموقف خطيرا، وعلى المدافعين طرده أو تلقي الهزيمة.

حابس المجالي

وعلى مسافة قريبة من قائد الكتيبة حابس المجالي، كان يقف طبيب الكتيبة الدكتور يعقوب أبو غوش، فسأله حابس : كم رصاصة في مسدسك ؟ أجاب الطبيب 6 رصاصات. فقال حابس : في مسدسي أيضا 6 رصاصات، وصمت لحظة ثم قال : سنبقى هنا . . وإذا وصل جنود العدو إلينا . . سيطلق كل واحد منا 5 رصاصات عليهم . . أما السادسة فسنطلقها على أنفسنا..! وفي هذه الأثناء فُرضت اتفاقية الهدنة الأولى بين العرب واليهود، ليسري مفعولها ابتداء من تاريخ 11 حزيران 1948، والتي لم يقتنع بها حابس وطلب من رئيس الأركان الإنجليزي رفضها، ولكن دون استجابة له.

بمثل تلك التضحيات من قبل حابس المجالي ورفاقه الضباط والجنود الأشاوس، المؤمنين بالله وبحقهم في الدفاع عن المقدسات، استطاع ذلك الرعيل الأول الحفاظ على جزء كبير من أرض فلسطين، وهو ما سمي بعد نهاية الحرب بالضفة الغربية، حيث انضمت إلى شرق الأردن إثر مؤتمر أريحا، وحملت اسم المملكة الأردنية الهاشمية.

أولئك الرجال وعلى رأسهم حابس المجالي، لم يفكروا بمكسب دنيوي، أو تحقيق مصالح خاصة، أو انتظار أعطيات تؤمن لهم القصور والعقارات، ولم تتلوث سمعتهم باستغلال مناصبهم، أو اختلاس أموال الدولة، ليصبحوا أثرياء الغفلة. لقد كانوا مثالا للحفاظ على شرف الجندية، والتضحية بالنفس، ونكران الذات، سواء خلال خدمتهم الفعلية أو ما بعدها.

ومن الجدير بالذكر، أن حابس أحيل على التقاعد وهو يحمل دينا لمؤسسة الإقراض الزراعي، يبلغ  15000 دينار، ولكنه لم يطلب خلال حياته أن تسديدها عنه أحد، إلى أن عرف جلالة الملك حسين      – طيب الله ثراه – بالموضوع، فأمر بتسديدها عنه دون علمه.

تمر البوم ذكرى وفاة ذلك القائد العظيم معالي المشير حابس المجالي، أحد رموز الأردن الشرفاء، الذي وهب نفسه للدفاع عن الأردن وفلسطين، دون منّة أو انتظار شكر أو جزاء. فنرجو الله أن يتغمده مع جميع رفاقه بواسع رحمته وأن يسكنهم جنات الخلد، على ما قدموا جميعا لوطنهم وأمتهم من تضحيات . . !

التاريخ : 22 / 4 / 2019