الثورة العربية الكبري: معاهده وطنية ام مؤامرة ام خدعة بريطانية

No comments

الثورة العربية 1

عبد الفتاح طوقان

رفع راية الثورة العربية الكبري في احتفالية بمدينة العقبة بمناسبة مرور مائة عام عليها بحضور الملك عبد الله الثاني ملك الاردن و ابن ابن حفيد قائدها، حادثة مهمة تفتح بوابة تاريخ امام فلاسفة جدد للبحث و التحري و التدقيق و الكتابة و المراجعة لوطن ظلم ، لان التاريخ حتي تلك اللحظة يقف عند نقطة معينة و لا يكتمل ، او يمر علي احداث و يقفز عنها ، يتغاض عن اشخاص و ينكرهم حقهم و عن تبعات يسقطها عمدا .

و اقصد ضرورة وجود فلاسفة و مؤرخون جدد يبحثون و يكتبون و يقيمون التاريخ دون تزوير او افتراء، ان يحكموا بالنتائج لا بالعواطف و الاتهامات المسبقة، خصوصا وان رسائل الشريف حسين -مكماهون ليست رسائل خيانة بمجملها كما يحلو للبعض ان يتحدثوا عنها لان في بعض من كلماتها و مضامينها عبارات تشير الي الرغبة في استقلال و سيادة العرب، و الي الوحدة و ايضا الي رغبة شخصية في ان يكون خليفة المسلميين و ملكا متوجا علي العرب، و فيها ايضا من جانب اخر اعتراف بالخليج الفارسي و متطلبات مالية. ومدفوعات بألاف الجنيهات.

 لذلك لابد من دراستها و نشرها و تحليلها و مراجعة نصوصها لجيل لا يعرف عنها سوي انها ممنوعة، الحديث عنها يؤدي بصاحبه الي خلف الزنازين و المعتقلات.

 و لكن بعد مرور مائه عام و مع رفع الراية علي سارية بارتفاع ١٢٦ مترا، لم يعد شيئا ليختفي او يخفي، و من حق الثورة ان ترتفع  علي الاقل عشرة امتار فوق الجدران العازلة لتناولها و الحديث عنها بحرية مطلقة ، علي ان يتم ذلك من خلال فلاسفة محايدون و شفافية و امانة تاريخية.

حقيقة الثورة ورجل الاستخبارات البريطانية

اذن ما هي حقيقة الثورة العربية الكبري التي قامت فجر يوم التاسع من شعبان ١٣٣٤ هجرية الموافق الثاني من يونيو ١٩١٦ و لماذا الاحتفال بها قبل خمسه اشهر من موعدها؟ و هي ثورة ضد الخلافة العثمانية الاسلامية  و قامت بتوجيهات و مساعدة بريطانيا و رجل استخبارتها لورانس الذي اشتهر بدوره في مساعدة القوات العربية خلال الثورة العربية ضد الاتراك .

لورانس العرب 1

وفي كتب التاريخ اشاره الي ان لورنس ذهب إلى مقر القائد العام اللنبي في القدس حيث اتفقا على ضرورة زيادة دعم الأمير فيصل باعتباره القائد القادم للثورة. مما دفع اللنبي إلى التعهد بتحمل كافة نفقاته وأرسل اليه مع لورنس مبلغ ثلاثمائة ألف جنيه وجمال محمله بالمؤن.

اذن بريطانيا ارادت و مولت ووجهت قيام ثورة مسلحة من داخل العرب ضد الحكم العثماني، هذا من كتب التاريخ و اعتراف المؤرخون البريطانيون (منقول ). بل ان قوات بريطانية جوية بقيادة الجنرال “سالموند” هي من حققت الانتصارات في المواقع و المدن و قوات استرالية.( التاريخ العسكري البريطاني ) .

طلب الشريف حسين ان يكون ملكا علي العرب باستثناء مصر

ومراسلات الشريف الحسين – مكماهون خلال الحرب العالمية الاولي في الفترة من 14 يوليو 1915 إلى 10 مارس 1916 دارت حول مستقبل سياسي جديد بعد الانتصار علي الدولة العثمانية الاسلامية للاعتراف بالشريف حسين ملكا علي العرب، وهو ما لم يحدث، و لم تقبل فرنسا تولي الامير فيصل ملك سوريا و بقيت اجزآء من العراق مع بريطانيا.

لورنس-العرب-في-الحياة-العربية

و في رسالة بتاريخ ١٤ فبراير من الشريف حسين الي الوزير البريطاني مكماهون اوضحت مطالب الشريف و التي لخصت فيما يلي، نقلا عن الترجمة المعتمدة  في كتاب يقظة العرب لجورج انطونيوس:

” اولا: مبلغ خمسين ألف جنيه ذهبا لمشاهرة القوات المجندة ونحوها مما ضرورته تغني عن بيانه. فالرجا إحضارها بوجه السرعة الممكنة.

الثاني ـ إحضار عشرين ألف كيس أرز وخمسة عشر ألف دقيق وثلاثة آلاف شعير ومائة وخمسين كيس بن قهوة ومثلها سكر الثالث: مقدار خمسة آلاف بندقية من الطراز الجديد وما تحتاجه النسبة لها من المرميات وأيضا مقدار مائة صندوق من النوع المرسل منه مرميتين طيه. ومن مرميات بواريد مارتن هنري وبارودات غرا أعني بواريد معمل سانت أتين الفرنسية لاستعمال هذين الصنفين في بواريد أي بندقيات قبائلنا ولا بأس من جعل لكل نوعهما خمسمائة صندوق.” انتهي الاقتباس

وتشير الرسالة الي ان يقوم المندوب المرسل من قبل الشريف حسين بقبض المبلغ دون الحديث معه في اي موضوع وبسرية تامة.

كما و تشير المراسلات انه بتاريخ ٤ ديسمبر ١٩١٥ارسل السير مكماهون الي الشريف حسين رسالة يقول فيها : “ عربون على صدق نيتنا ولأجل مساعدتكم في مجهوداتكم في غايتنا المشتركة فإني مرسل مع رسولكم مبلغ عشرين ألف جنيه”. و كان في رساله قبل تلك اشار الي:” الحبوب والصدقات المقررة من البلاد المصرية ستصل بمجرد إشارة من سيادتكم وفي المكان الذي تعينونه” حيث كانت طلبات الشريف ان تمده مصر بالحبوب و المال و الصدقة.” انتهي الاقتباس “.

مكماهون

اذن ما وصل الي الشريف من مال فاق المئة ألف من الجنيهات لأجل القيام يالثورة و لاجل نسف و قطع اجزاء من السكك الحديدية حتي ليقطع الامداد عن الاتراك و يسمح للبريطانيين التوغل بسهوله لاسقاط المدن.

المعاهدة بين الشريف حسين و مكماهون : مدتها و خرقها

و في رسالة مكماهون في ١٠ مارس يؤكد ان الحكومة البريطانية وافقت علي المطالب كافة و ان بوارجها ستقصف الاتراك مع مرعاة العرب الابرياء. اذن قوات جوية و بوارج بريطانية لاسقاط الدولة العثمانية.

البعض يري ان كافة الوعود البريطانية تم خرقها، ومهدت الثورة العربية الكبري بمساعدتها في اسقاط الدولة العثمانية الي اتفاقية سايكس – بيكو ، و اقتسام الهلال الخصيب بين فرنسا و بريطانيا بعد الحرب العالمية الاولي و كانت سببا في عدم وجود اي رداع او مانع فيما بعد لظهور وعد بلفور.

الشريف حسين لم يكن متآمرا لانه لم يكن هنالك توقع بالخيانة من قبل البريطانيين، ووثق في كلمات مكماهون التي وردت في احد رسآئله “ ان مصالح العرب و بريطانيا مشتركة”. و لكن بقي التساؤل في اي جهة كانت تلك المصالح تسير؟ ما هي النوايا؟.

رساله الشريف حسين في ١٤ يوليو ١٩١٥ هامه لانها تشير الي كل ما حدث كان علي اعتبار انه معاهده، خيث ورد فيها :

البند الرابع: إذا تعدى أحد الفريقين على بلد ما ونشب بينه وبينها عراك وقتال، فعلى الفريق الآخر أن يلزم الحياد. على أن هذا الفريق المعتدى إذا رغب في اشتراك الفريق الآخر معه ففي وسع الفريقين أن يجتمعا معا وأن يتفقا على الشروط.

و اشير هنا الي هذا البند و الذي في حرب ١٩٦٧ مع اسرائيل لم تقف بريطانيا مع الاردن حسب تلك المعاهده، علي سبيل المثال و اخلت للمرة الثالثة بالمعاهدة.

وفي خامسا: مدة الاتفاق في المادتين الثالثة والرابعة من هذه المعاهدة خمس عشرة سنة. وإذا شاء أحد الفريقين تجديدها عليه أن يطلع الفريق الآخر على رغبته قبل انتهاء مدة الاتفاقية بعام (*) . و اقصد ان حتي تاريخه لم يسقط الاردن المعاهده و لم يعدلها و الم يلتفت احد اليها ، و يعتمد البعض علي انها معاهدة مدتها خمسة عشر عاما ، بالتالي سقطت تباعا، بينما اخرون يروون انها تجدد تلقائيا و الخمس عشر عاما تخص البند الرابع و الخامس فقط . و لكن في كل الاحوال هي دليل علي ان ما حدث كان معاهده ووعود لم تكتمل و لم تطبق .

هدف لورانس من الثورة و اسقاط الاتراك التمهيد لوعد بلفور

من المفارقات التاريخية ان كانت رؤية لورنس هي أن الهدف الأساسي أمامه طرد الأتراك من الجزيرة العربية وهيمنة القوات البريطانية والتمهيد لمشروع الدولة اليهودية الذي صاغه ثيودور هرتزل ووعد به آرثر جيمس بلفور وزير خارجية إنجلترا في سنة 1917 فيما يعرف بوعد بلفور.

وهو ما صرح به لورانس ضابط الاستخبارات البريطاني للامير فيصل، الذي قال في كتابه انه كان يدير حرب عصابات من مخبيء خاص  اطلق عليها ثورة : نقلا من كتاب اعمدة الحكمة السبعة ، الشهير للورانس ، ١٩٢٥.

الثورة العربية الكبري 2

( الص،ره اعلاه : الامير فيصل في قصر فرساي 1919 اثناء مؤتمر فرساي للسلام  : من اليسار الي اليمين : رستم حيدر رئيس الديوان الاميري،، من بعلبك لبنان ، توري السعيد : رئيس الوزراء العراقي فيما بعد، الامير فيصل، كابتن بيساني البريطاني يقف خلف الامير فيصل، توماس ادوارد لورانس ضابط المخابرات البريطانية و الجاسوس ، فيصل الغصين، النقيب تحسين قادري : مرافق الامير فيصل من دمشق سوريا )،

وبلا ادني شك هذا لم يكن في حسبان و لا في فكر الشريف الحسين و اتباعه البالغ عددهم اربعة الاف.

للاسف لا احد يقرآء، و يتم ترك المعلومات و التاريخ للغرب يكتب كما يشآء و يصف كيفما اراد ، و الحقيقة تغيب .

الثورة العربية الكبري تحتاج الي اكثر من احتفالية و سجاد احمر ووزراء و مسؤولون يصطفون للسلام ، انها ثورة كبري في التاريخ تحتاج الي تدقيق و دراسة و بحث في التاريخ و الاشخاص ، فهي  اساس قيام المملكة الاردنية الهاشمية ، و اساس الحكم الملكي في الاردن ، و اساس اسقاط حكم استمر ٦٠٠ عام تم فيه وضع غمامة علي عين الشعوب في  المنطقة ، و انتشار المرض و الفقر و الجهل ، فلا يكفيها علما او موسيقي تصدح للشهداء ، و ان ذلك موقفا ايجايبا، و انما مرة اخري اكرر انها تحتاج الي تاريخ حقيقي بكل جوارحه و الامه و انتصاراته و معاهداته يكتبه الفلاسفة الجدد للعالم و ليس صفحات مؤقتة ملونة و مزخرفة نفاقا او تقربا او لارضاء الداخل سواء حاكم او محكوم.

الثورة أكبر من كل هولاء المتزلفين.

aftoukan@hotmail.com

علق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.